الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

352

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

كان أقرب مما يظهر مما حكيناه عن الفاضل المذكور وثالثها أن ما ذكره من تفريع كونه مجازا في غير العموم على قيام الدليل على كونه حقيقة في العموم غير ظاهر فإنه إن أريد بذلك أن قيام الدليل على كونه حقيقة في العموم قاض بمجازيته في غيره تقديما للمجاز على الاشتراك فهو فاسد فإن الأصل المفروض إنما يتم إذا لم يثبت الوضع للمعنى الآخر وأما مع ثبوت الوضع له أولا فالبناء على الهجر يتوقف على الدليل بل قضية الدليل الدال على كونه حقيقة في المعنى الجديد حصوله الاشتراك بين المعنيين وليس ذلك من الدوران بين المجاز والاشتراك ليقدم المجاز عليه بل من الدوران بين الاشتراك والتقييد وإن أريد به قيام الدليل على كونه حقيقة في العموم مجازا في غيره فمع بعده عن ظاهر العبارة أنه لا دليل على كونه مجازا في غير العموم وما ذكره من الأدلة غير ناهض عليه أما الاتفاق فظاهر فإنه بعد تسليم ذلك إنما اتفقوا على كونه حقيقة في العموم حيث لا عهد والقدر الثابت من ذلك هو الاتفاق على كون إرادة العموم منه على وجه الحقيقة وأنه المنساق منه عند الإطلاق مع انتفاء العهد ونحن نقول به ولا منافاة فيه لكونه حقيقة في غيره أيضا من الجنس والعهد ولذا لم يصرح أحد بكونه حقيقة في العموم ولا ظاهرا فيه مع وجود المعهود بل الظاهر من اعتبارهم انتفاء العهدية في ذلك كون انصرافه إلى المعهود مقدما على الحمل على العموم وقضية ذلك كونه حقيقة بل ظاهرا في العهد مع وجود المعهود وكيف يدعى الاتفاق على مجازيته في العهد فإن قلت إن وجود قرينة صارفة له عن معناه الموضوع له فلا يكون اللفظ ظاهرا في الموضوع له مع وجودها وهذا هو السبب في تقييدهم إفادته للعموم بذلك قلت إن ما ذكر مع بعده عن الظاهر لعدم جريان الطريقة عن أخذ انتفاء القرينة الصارفة عند بيان معاني الألفاظ فإن ذلك أمر معلوم من الخارج لا حاجة إلى الإشارة إليه فيه ولا اختصاص لتلك القرينة المعينة بذلك لجريانه في سائر القرائن الصارفة إذ مجرد وجود المعهود إنما يصحح إرادة العهدية وليس فيه ما يقتضي تعيين ذلك في الإرادة وصرف اللفظ إليه فكيف يصح جعله قرينة صارفة عن إرادة الحقيقة والقول بأن القدر الملحوظ في القرائن صرفها اللفظ عن الظاهر بحسب متفاهم العرف وإن لم يكن هناك التزام عقلي وهذا القدر حاصل في المقام إذ المفروض حينئذ فهم العرف انصرافه إلى المعهود مدفوع بأن القرينة الصّارفة عن الموضوع له لا بد أن تكون مغايرة للحقيقة ولو بحسب متفاهم العرف حتى يصح كونها صارفة للفظ عن معناه الحقيقي في فهم العرفي ومن البين أن مجرد وجود معهود في المقام لا ينافي إرادة العموم في المقام ولو بحسب العرف فكيف يصح جعله صارفا للفظ عن معناه الحقيقي وحينئذ فنقول إنه ليس في انصرافه إلى المعهود خروج عن مقتضى الوضع بوجه من الوجوه إذ قد عرفت أن اللام موضوعة لتعريف مدخولها والإشارة إليها وحيث إن المراد بمدخولها في الجمع هو الأفراد في الجملة فإن كان في المقام أفراد معهودة بأن يكون تلك الأفراد من جهة معهوديتها أعرف في نظر العقل من غيرها فلا محالة تنصرف الإشارة إليها فيكون المراد بالجمع هو تلك الآحاد وتكون اللام تعريفا لها وإشارة إليها فإن الإشارة إنما تنصرف مع الإطلاق إلى ما هو أعرف في نظر العقل وأبين من غيره ولا قاضي حينئذ بانصرافها إلى العموم فإنها إنما كانت تنصرف إليه من الجهة التي قررناه وهي غير جارية في مقام وجود المعهود فهذا هو الوجه في ظهوره في العهدية مع وجود المعهود على الوجه المذكور ولا من جهة حصول قرينة على إرادته ليكون فهمه متوقفا على قيام القرينة ليجعل ذلك شاهدا على مجازيته كما قد يتوهم فظهر بما قررناه أن إرادة العهد منه مجازيته على الظاهر لا خروج فيها عن قانون الوضع بالنظر إلى اللام ومدخولها وذلك هو الوجه في تقييدهم إفادته للعموم بانتفاء العهد في المقام وأما تبادر العموم منه فقد عرفت الوجه فيه وأنه غير مستند إلى نفس اللفظ بل مبني على ظهور ونظرا إلى الوجه المذكور ومنه يظهر الحال في حسن الاستفهام فإنه مبني على انفهام العموم وهو حاصل من الجهة التي قررناه فلا دلالة في شيء من الوجوه المذكورة على مجازيته في غير العموم بل هو حقيقة في العهد قطعا لما عرفت من انتفاء التجوز بالنسبة إلى اللام ومدخولها بل يتقدم الحمل عليه على الحمل على العموم ولذا قيدوا إفادته للعموم بانتفاء العهد وأما استعماله في الجنس كما في قولك فلان يركب الخيل أو يتزوج الأبكار فهل هو على وجه الحقيقة أو المجاز وتوضيح ذلك الكلام في ذلك يتوقف على تصوير استعماله فيه فنقول إن إرادة الجنس في المقام يتصور على وجوه منها أن يراد بالجمع مفهوم الجماعة ويكون اللام إشارة إليها وآلة لتعريفها فيكون مؤدّاه تعريف جنس الجماعة وهذا الوجه هو الذي نص غير واحد من متأخري المتأخرين على ظهوره من لفظ الجمع المعرف بناء على بقاء كل من اللام والجمع على معناه الأصلي وعدم [ إطراء ] اطراد وضع آخر عليها فيكون استعماله في الجنس على الوجه المذكور مبنيا على ملاحظة وضعه الأولى وقد عرفت وهنه مما بيناه إذ ليس معنى الجمع مفهوم الجماعة ليرد التعريف عليه وإنما معناه مصداق الجمع وهو على إطلاقه غير قابل للتعريف إلا أن يتصرف في لفظ الجمع بإخراجه عن معناه الحقيقي واستعماله في مفهوم الجماعة إن صحت التجوز عنه بذلك فيكون التجوز إذن في مدخول اللام ومنها أن يكون اللام الداخل عليه لتعريف على أن يكون الجنس قيدا مأخوذا في معناها على وجه المجاز فيكون تعريف الجنس مفهوما من اللام ويكون الجمع باقيا على معناه فيكون المستفاد منه تعريف جنس الجمع ولا يخفى ما فيه من التعسف ومنها أن يقال باستعمال الجمع في مدلول اسم جنسه بانسلاخه من الجمعية مجازا وبالوضع الطاري فيكون اللام الوارد عليه لتعريف الجنس كالمفرد وفيه أيضا تكلف ظاهر لبعد دعوى الوضع الطاري مع عدم مساعدة الفهم وكون التجوز المذكور مبنيا على وجود العلاقة المصححة وهو محل تأمل ومنها أن يقال باستعمال الجمع في معناه أعني ما فوق الاثنين من الأفراد لكن يكون التعريف الوارد عليه لا بملاحظة خصوصية الأفراد حسب ما تعطيه ظاهر اللفظ كما في تعريف العهد والاستغراق بل من جهة اتحاد تلك الأفراد مع الطبيعة وكون الطبيعة حاصلة لها فيكون مفاده بملاحظة ما ذكر تعريف الطبيعة المتحدة مع الأفراد وحيث كان حينئذ ورود التعريف على الأفراد من الجهة المذكورة مع قطع النظر عن ملاحظة خصوصياتها لم يتوقف تعريفها على حمل الجمع على أقصى درجاته أو على خصوص مرتبة معينة من سائر مراتبه ليتعين بذلك مدلوله حتى يصح ورود التعريف عليه حسب ما مر وذلك لخروجه من الإبهام بملاحظة الحجة وصحة تعريفه والإشارة إليه من تلك الجهة فيراد بالجمع مطلق الأفراد على الوجه المذكور ويكون اللام تعريفا لها من تلك